معنى الذل والافتقار وكيف يحققهما العبد المسلم؟

اذهب الى الأسفل

معنى الذل والافتقار وكيف يحققهما العبد المسلم؟

مُساهمة من طرف βάЯβϊĆαП في الجمعة مارس 09, 2012 2:37 pm

السؤال : قرأت في كتاب "مدارج السالكين" لابن القيم : يحكى عن بعض
العارفين : دخلت على الله من أبواب الطاعات كلها ، فما دخلت من باب إلا
رأيت عليه الزحام ، فلم أتمكن من الدخول ، حتى جئت باب الذل ، والافتقار ،
فإذا هو أقرب باب إليه ، وأوسعه ، ولا مزاحم فيه ، ولا معوق ، فما هو إلا
أن وضعت قدمي في عتبته : فإذا هو سبحانه قد أخد بيدي ، وأدخلني . " مدارج
السالكين " . فما هو الذل ، والافتقار ، المقصود هنا الذي يوصل لهذا المقام
العظيم ؟ يعني : هل يوجد في عبادة بعينها أكثر من أي عبادة ؟ فوالله
محتاجون ، ضعفاء إيمانا . والله المستعان .


الجواب :
الحمد لله

أولا:

الحكمة من خلق الإنسان هي : عبادة الله وحده لا شريك له ، كما قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات/ 56 .

وأركان العبادة هي : كمال الذل والخضوع ، مع كمال المحبة ، لله تعالى .

قال ابن القيم رحمه الله :

وعبادة الرحمن غاية حبه ** مع ذل عابده هما قطبان

وعليهما فلك العبادة دائر ** ما دار حتى قامت القطبان

" النونية " ( ص 35 ) .

وقال ابن القيم رحمه الله أيضا - :

والعبادة
تجمع أصلين : غاية الحب ، بغاية الذل والخضوع , والعرب تقول : " طريق معبد
" أي : مذلل ، والتعبد : التذلل والخضوع ، فمن أحببته ولم تكن خاضعا له :
لم تكن عابدا له , ومن خضعت له بلا محبة : لم تكن عابدا له ، حتى تكون محبا
خاضعا .

" مدارج السالكين " ( 1 / 74 ) .

وانظر جواب السؤال رقم : ( [عزيزي الزائر يتوجب عليك التسجيل للمشاهدة الرابط للتسجيل اضغط هنا ]) .

فتحقيق الذل إذا يكون بتحقيق العبودية لله تعالى وحده ، والعبد ذليل لربه تعالى في ربوبيته ، وفي إحسانه إليه .

قال ابن القيم – رحمه الله - :

فإن
تمام العبودية هو : بتكميل مقام الذل والانقياد ، وأكمل الخلق عبودية :
أكملهم ذلا لله ، وانقيادا ، وطاعة ، والعبد ذليل لمولاه الحق بكل وجه من
وجوه الذل ، فهو ذليل لعزه ، وذليل لقهره ، وذليل لربوبيته فيه وتصرفه ،
وذليل لإحسانه إليه ، وإنعامه عليه ؛ فإن من أحسن إليك : فقد استعبدك ،
وصار قلبك معبدا له ، وذليلا ، تعبد له لحاجته إليه على مدى الأنفاس ، في
جلب كل ما ينفعه ، ودفع كل ما يضره .
" مفتاح دار السعادة " ( 1 / 289 ) .

قد
يظهر الذل في عبادة أعظم منه في عبادة أخرى , وأعظم العبادات التي فيها
عظيم الذل والخضوع لله هي : الصلاة المفروضة , والصلاة ذاتها تختلف هيئاتها
وأركانها في مقدار الذل والخضوع فيها ، وأعظم ما يظهر فيه ذل العبد وخضوعه
لربه تعالى فيها : السجود .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

لفظ " السجود " ، فإنه إنما يستعمل في غاية الذل والخضوع ، وهذه حال الساجد .

" جامع الرسائل ، رسالة في قنوت الأشياء " ( 1 / 34 ) .

ثانيا :

أما الافتقار إلى الله فهو مقام عال يصل إليه العبد من طرق كثيرة ، لعل أبرزها : العبودية ، والدعاء ، والاستعانة والتوكل .

1.
فإذا تحصل العبد على مقام الذل لربه تعالى : ظهر مقام الافتقار ، وعلم أنه
لا غنى له عن ربه تعالى ، بل صار مستغن بربه عن غيره ، فكمال الذل ، وكمال
الافتقار : يظهران في تحقيق كمال العبودية للرب تعالى .

قال ابن القيم رحمه الله :

سئل
محمد بن عبد الله الفرغاني عن الافتقار إلى الله سبحانه ، والاستغناء به ،
فقال : " إذا صح الافتقار إلى الله تعالى : صح الاستغناء به ، وإذا صح
الاستغناء به : صح الافتقار إليه ، فلا يقال أيهما أكمل : لأنه لا يتم
أحدهما إلا بالآخر " .

قلت : الاستغناء بالله هو عين الفقر إليه ،
وهما عبارتان عن معنى واحد ؛ لأن كمال الغنى به هو كمال عبوديته ، وحقيقة
العبودية : كمال الافتقار إليه من كل وجه ، وهذا الافتقار هو عين الغنى به .

" طريق الهجرتين " ( ص 84 ) .

2.
ومما يظهر فيه مقام الافتقار إلى الله تعالى : الدعاء ، وخاصة بوصف حال
الداعي ، كما قال موسى عليه السلام : ( رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير )
النمل/ 24 ، وكما قال تعالى عن أيوب عليه السلام : ( وأيوب إذ نادى ربه
أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ) الأنبياء/ 83 , وكان من دعاء النبي صلى
الله عليه وسلم : (اللهم رحمتك أرجو فلا تكلنى إلى نفسى طرفة ، عين وأصلح
لى شأنى كله ، لا إله إلا أنت) رواه أبو داود (5090) ، وحسنه الألباني في
"صحيح أبي داود" .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

والمقصود
هنا : الكلام أولا في أن سعادة العبد في كمال افتقاره إلى ربه ، واحتياجه
إليه ، أي : في أن يشهد ذلك ، ويعرفه ، ويتصف معه بموجب ذلك ، من الذل ،
والخضوع ، والخشوع ، وإلا فالخلق كلهم محتاجون ، لكن يظن أحدهم نوع استغناء
، فيطغى ، كما قال تعالى ( كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ) .

" مجموع الفتاوى " ( 1 / 50 ) .

3. ومما يظهر فيه مقام الافتقار إلى الله تعالى : حين يستعين العبد بربه ويتوكل عليه .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

إذا
تبين هذا : فكلما ازداد القلب حبا لله : ازداد له عبودية ، وكلما ازداد له
عبودية : ازداد له حبا ، وفضله عما سواه ، والقلب فقير بالذات إلى الله من
وجهين : من جهة العبادة الغائية ، ومن جهة الاستعانة والتوكل ، فالقلب لا
يصلح ، ولا يفلح ، ولا ينعم ، ولا يسر ، ولا يلتذ ، ولا يطيب ، ولا يسكن ،
ولا يطمئن ، إلا بعبادة ربه وحبه ، والإنابة إليه ، ولو حصل له كل ما يلتذ
به من المخلوقات : لم يطمئن ، ولم يسكن ؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه من حيث
هو معبوده ، ومحبوبه ، ومطلوبه ، وبذلك يحصل له الفرح ، والسرور ، واللذة ،
والنعمة ، والسكون ، والطمأنينة .

وهذا لا يحصل له إلا باعانة الله
له ؛ فإنه لا يقدر على تحصيل ذلك له إلا الله ، فهو دائما مفتقر إلى حقيقة
: ( إياك نعبد وإياك نستعين ) .

" العبودية " ( ص 97 ) .

والعبد
مفتقر إلى الله تعالى في كل شيء ، في خلقه ووجوده وفي استمراره وحياته ،
وفي علومه ومعارفه ، وفي هدايته وأعماله ، وفي جلب أي نفع له ، أو دفع أي
ضرر له ، وهذا هو معنى : "لا حول ولا قوة إلا بالله" .

نسأل الله تعالى أن يغنينا بالافتقار إليه .

والله أعلم


βάЯβϊĆαП

عدد المساهمات : 70
تاريخ التسجيل : 08/03/2012

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: معنى الذل والافتقار وكيف يحققهما العبد المسلم؟

مُساهمة من طرف Admin في الجمعة مارس 09, 2012 8:50 pm

شكرا ننتضر ابداعك

Admin

عدد المساهمات : 128
تاريخ التسجيل : 04/03/2012
العمر : 20

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://codey1.3rab.pro

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى